جمال عبد الناصر: العسكري الذي صنع التاريخ
جمال عبد الناصر: العسكري الذي صنع التاريخ
جمال عبد الناصر: العسكري الذي صنع التاريخ
دراسة في الشخصية العسكرية والقيادة الاستراتيجية
في سجلات التاريخ العسكري الحديث، تبرز شخصية جمال عبد الناصر بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدًا وإثارةً للجدل في آنٍ واحد؛ فهو الضابط الذي تدرّج في سلك الجيش المصري في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ مصر، ليتحوّل لاحقًا إلى رئيس دولة يقود مشروعًا قوميًا عربيًا شاملًا. وُلد ناصر في الخامس عشر من يناير عام 1918م بحي بكوس في الإسكندرية، وعاش طفولةً متنقلة بين مدن مصرية عدة، أكسبته وعيًا مبكرًا بتناقضات المجتمع المصري وهمومه في ظل الاحتلال البريطاني. لم يكن اختياره للمسار العسكري مجرد قرار مهني، بل كان امتدادًا طبيعيًا لشخصية تشرّبت الحلم بالاستقلال والكرامة الوطنية منذ نعومة أظافرها.
تتشابك في شخصية ناصر العسكرية خيوطٌ متعددة: ثقافة واسعة نهلها من قراءاته المتنوعة، وتجربة ميدانية حية في حرب فلسطين عام 1948م، ووعيٌ سياسي حاد مكّنه من قراءة المشهد الإقليمي والدولي بدقة نادرة. هذه العوامل مجتمعةً صاغت قائدًا عسكريًا استثنائيًا، ترك بصماته واضحةً على مسيرة الجيش المصري والمنطقة العربية برمتها. والمقالة هذه محاولة للكشف عن أبرز معالم شخصيته العسكرية، وفهم آليات تفكيره الاستراتيجي، ورصد إنجازاته وإخفاقاته بمنهجية موضوعية.
أولًا: المسيرة العسكرية الأولى — من الكلية الحربية إلى فلسطين
انتسب جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية المصرية عام 1936م، في خضم أحداث سياسية متلاحقة أعادت رسم ملامح المشهد الوطني المصري، كان أبرزها توقيع معاهدة 1936م مع بريطانيا. وقد أتاحت هذه المعاهدة لأبناء الطبقات المتوسطة للمرة الأولى الانتساب إلى الكلية الحربية التي كانت حكرًا على أبناء الأسر الأرستقراطية، وهو ما أفرز جيلًا جديدًا من الضباط الوطنيين الجياشين حماسًا وطموحًا.
في الكلية الحربية، بدت على ناصر ملامح القائد المستقبلي بوضوح؛ فقد تميّز بشغفه بالتاريخ العسكري، ومطالعته الدؤوبة لسير القادة الكبار كنابليون وبسمارك وغاندي وأتاتورك. لم يكن القراءة بالنسبة له ترفًا فكريًا، بل كانت وقودًا لبناء رؤية واضحة عن دور الجيش في التغيير السياسي والاجتماعي. تخرّج في الكلية عام 1938م برتبة ملازم ثانٍ، ليبدأ رحلته العملية في وحدات مختلفة من الجيش المصري.
كانت حرب فلسطين عام 1948م المحطة التأسيسية الكبرى في مسيرة ناصر العسكرية؛ إذ شارك في المعارك بروح القائد الميداني المقدام، وأبلى بلاءً حسنًا في عدد من المواجهات، لا سيما في منطقة الفالوجة التي أثبت فيها قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة الحصار. وقعت قوات ناصر في قطاع الفالوجة في فخ محكم نصبته القوات الإسرائيلية، فكان بمقدوره الاستسلام أو الانسحاب، إلا أنه اختار الصمود مع جنوده حتى انتهاء العمليات العسكرية بموجب اتفاقيات الهدنة. هذا الموقف رسّخ في ذهنه وذهن زملائه أن الصمود والكرامة يتقدمان على الحسابات البرجماتية.
أفرزت حرب فلسطين في نفس ناصر مرارةً عميقة وتساؤلات جوهرية: كيف هُزم جيش عربي يفوق العدو عددًا وعدةً؟ وما مسؤولية القيادة السياسية الفاسدة عن هذه النكبة؟ هذه التساؤلات لم تكن ترفًا فلسفيًا، بل كانت محرّكًا حقيقيًا لقناعة ناصر ورفاقه بضرورة التغيير الجذري، وهو ما وثّقه بنفسه في كتابه الشهير “فلسفة الثورة”.
ثانيًا: تنظيم الضباط الأحرار — بناء قيادة من الداخل
لم يكن تأسيس تنظيم الضباط الأحرار حدثًا عفويًا أو ردّة فعل آنية على هزيمة فلسطين، بل كان مشروعًا تنظيميًا متدرّجًا بدأت بذوره منذ مطلع الأربعينيات. آمن ناصر بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي من الخارج، بل يجب أن يُبنى من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. وعليه، راح يُرسي شبكة علاقات دقيقة بين الضباط المتشاركين معه في رفض الوضع القائم، مستعينًا بكفاءاته التنظيمية والحنكة الأمنية اللازمة للعمل السري.
تتجلى العبقرية التنظيمية لناصر في أسلوبه المُحكم في بناء التنظيم؛ إذ اعتمد مبدأ الخلايا المغلقة حيث لا يعرف كل عضو سوى أعضاء مجموعته المباشرة، مما حمى التنظيم من الاختراق الأمني. كما أحسن اختيار الرموز التي يمكنها تقديم شرعية للتنظيم في اللحظة الحاسمة، فكان اختيار اللواء محمد نجيب واجهةً للثورة قرارًا استراتيجيًا بالغ الدهاء؛ إذ جمع بين شخصية عسكرية ذات احترام مؤسسي وضباط شباب يمتلكون الطاقة والعزيمة للفعل.
كشف تخطيط ثورة يوليو 1952م عن مهارة عسكرية رفيعة في إدارة العمليات تحت ضغط وفي بيئة معادية؛ فقد نُفّذت الخطة في ليلة الثالث والعشرين من يوليو بدقة لافتة، واستُولي على المراكز الاستراتيجية في القاهرة والمحافظات دون إراقة دماء تذكر، وهو إنجاز لوجستي وأمني يدل على حنكة تشغيلية عالية. كان ناصر يُشرف بنفسه على التفاصيل الدقيقة للعملية مع محافظته على المنظور الاستراتيجي الشامل.
ثالثًا: الرؤية الاستراتيجية — قراءة ناصر للمشهد الإقليمي والدولي
ما إن استقرّت السلطة بين يديه حتى انكشف ناصر بوصفه صاحب رؤية استراتيجية تتخطى حدود الضابط الميداني لتبلغ مستوى المفكر الجيوسياسي. رسم في “فلسفة الثورة” تصوّرًا متكاملًا لموقع مصر في دوائر ثلاث متداخلة: الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الأفريقية؛ وهو إطار يجمع بين الواقعية الجيوسياسية والطموح القومي.
أدرك ناصر مبكرًا أن معركة الاستقلال الحقيقي لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تشمل أيضًا التحرر الاقتصادي من الهيمنة الأجنبية. وكان قرار تأميم قناة السويس في يوليو 1956م التعبيرَ الأجلى عن هذه الرؤية. لم يكن التأميم مجرد إجراء اقتصادي، بل كان إعلانًا استراتيجيًا بأن مصر مستعدة لمواجهة القوى الكبرى إن اقتضت المصلحة الوطنية ذلك. وقد حرص ناصر على توقيت الإعلان وصياغته بعناية فائقة لكي يُفاجئ خصومه ويُجيّش الرأي العام العربي والعالمي لصالحه.
أبدى ناصر خلال سياسة عدم الانحياز مرونةً دبلوماسية لافتة؛ فقد أجاد إدارة التوازن بين القطبين الأمريكي والسوفيتي في فترة الحرب الباردة واستثمار هذا التوازن لمصلحة مصر. وبلغ هذا النهج ذروته حين استطاع انتزاع تمويل بناء السد العالي من الاتحاد السوفيتي بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرضها، مما يدل على قدرة استثنائية على التحوّل السريع في المعادلات الدولية واستغلال الفرص المتاحة.
رابعًا: أزمة السويس 1956 — الانتصار السياسي في وجه الهزيمة العسكرية
شكّلت أزمة السويس عام 1956م اختبارًا استثنائيًا لصلابة ناصر وقدرته على الاحتمال في مواجهة الضغوط الهائلة؛ إذ واجهت مصر حينئذٍ تحالفًا مثلّثًا من أعتى القوى العسكرية في العالم: بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. وعلى الرغم من وضوح التفوق العسكري للقوات المهاجِمة، فإن ناصر خاض المعركة في الميدان السياسي والإعلامي بكفاءة تجاوزت الميدان العسكري.
حين أقدمت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية على الهجوم، واجه ناصر خيارات صعبة في ظل ظروف عسكرية بالغة الصعوبة. اتخذ قرارًا حازمًا بسحب القوات المصرية من سيناء لتفادي الإحاطة والتدمير والحفاظ على جوهر الجيش المصري، ووجّه المقاومة نحو بورسعيد التي غدت رمزًا للصمود الشعبي. وبالموازاة مع ذلك، انكبّ على العمل الدبلوماسي لاستقطاب الضغط الدولي لوقف العدوان. جاء موقف الولايات المتحدة المعارض للعملية العسكرية—مدفوعًا بحسابات الحرب الباردة—ليقلب المعادلة رأسًا على عقب، ويمكّن ناصر من تحقيق انتصار سياسي مدوٍّ على الرغم من الخسائر الميدانية.
كشف موقف ناصر إبان أزمة السويس عن إدراك عميق لمبدأ أساسي في علم الاستراتيجية: الهدف السياسي يسمو على الهدف العسكري. فحين أدرك أن التحولات الدولية تُشير إلى انسحاب القوات المهاجمة، اشتغل على تثمير الأزمة إعلاميًا وسياسيًا لتقديم انسحاب الغرب انتصارًا مصريًا وعربيًا باهرًا، بما رسّخ مكانته زعيمًا قوميًا عربيًا بلا منازع.
خامسًا: بناء المؤسسة العسكرية — تحديث الجيش المصري
لم يقتصر اهتمام ناصر على السياسة الخارجية، بل أولى بناء القوة العسكرية المصرية عناية استثنائية. ففي أعقاب الثورة مباشرةً، انطلق مشروع شامل لإعادة هيكلة الجيش المصري وتطوير قدراته على أسس حديثة. ووظّف العلاقة مع الاتحاد السوفيتي توظيفًا أمثل، فاستحصل على أسلحة متطورة كانت الغرب يُمانع توريدها، كصفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة عام 1955م التي أربكت الحسابات الغربية وغيّرت موازين القوى الإقليمية.
أسّس ناصر الأكاديمية العسكرية وطوّر مناهجها لتواكب متطلبات الحرب الحديثة. وأنشأ الكليات الفنية المتخصصة في الطيران والبحرية والمدرعات، وأرسل دفعات متتالية من الضباط المصريين إلى الاتحاد السوفيتي لاكتساب الخبرة التقنية. نتج عن ذلك جيل جديد من الضباط المؤهلين تأهيلًا جيدًا في التعامل مع الأسلحة الحديثة المعقدة.
كما أولى ناصر اهتمامًا بالغًا بالصناعة العسكرية المحلية؛ إذ سعى إلى تأسيس قاعدة صناعية تُقلّل الاعتماد على الاستيراد وتمنح مصر استقلالية أكبر في قراراتها الدفاعية. وشيّد مصانع للسلاح والذخيرة، وطوّر قطاع الطيران المدني والعسكري معًا. وقد آتت هذه الجهود ثمارها جزئيًا في حرب 1967م وبشكل أجلى في حرب 1973م التي شنّها خلفاؤه.
سادسًا: التدخل في اليمن — الدرس المُكلف
يُمثّل التدخل العسكري المصري في اليمن (1962-1967م) الجانب الأكثر إشكاليةً في المسيرة العسكرية لجمال عبد الناصر، وهو تجربة كشفت عن حدود الرؤية الاستراتيجية حين تصطدم بالواقع الميداني المعقد. انطلقت الحملة في أعقاب الثورة اليمنية عام 1962م بدوافع أيديولوجية قومية وحسابات استراتيجية، غير أنها سرعان ما تحولت إلى مستنقع استنزف الموارد البشرية والمادية المصرية.
بلغت القوات المصرية في اليمن في ذروة انتشارها ما يزيد على سبعين ألف جندي، في حرب عصابات قاسية خاضتها ضد قبائل متمرسة تحظى بدعم سعودي ومساندة غير مباشرة من الغرب. افتقرت العمليات في اليمن إلى التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، وأُغرقت في تفاصيل تكتيكية معقدة في تضاريس جبلية لم يكن الجيش المصري معتادًا عليها ولا مُعدًّا لها تدريبًا وتجهيزًا.
أدى التورط اليمني إلى استنزاف حاد في بعض خيرة وحدات الجيش المصري في الوقت الذي كانت فيه التوترات مع إسرائيل تتصاعد على الجبهة الشمالية. وقد تزامن هذا الاستنزاف مع نقص حاد في التجهيز والتدريب المتكامل للقوات المتمركزة في سيناء، مما أسهم في تعظيم حجم الكارثة حين جاءت ضربة يونيو 1967م. وقد أقرّ ناصر لاحقًا بأن قرار التدخل في اليمن كان من أكبر أخطائه الاستراتيجية.
سابعًا: نكسة يونيو 1967م — التحليل والمسؤولية
لن تكتمل قراءةٌ موضوعية في الشخصية العسكرية لجمال عبد الناصر دون الوقوف أمام هزيمة يونيو 1967م وقفةً نقدية صريحة؛ فقد مثّلت هذه الهزيمة أفدح الكوارث في تاريخ مصر والعالم العربي الحديث. وفي ستة أيام فحسب، فقدت مصر شبه جزيرة سيناء، وفقدت سوريا الجولان، وفقدت الأردن الضفة الغربية وهدمت إسرائيل خلالها أسطورة الجيوش العربية.
يتحمل ناصر جانبًا أساسيًا من المسؤولية عن هذه الكارثة لأسباب موضوعية متعددة: أولها الاستعراض السياسي الذي سبق الحرب، حين أغلق الملاحة في خليج العقبة أمام إسرائيل وطالب بانسحاب قوات الطوارئ الدولية مما أوجد جوًّا من المواجهة دون وجود خطة عملياتية ناجزة. وثانيها غياب التنسيق العسكري الفعّال بين الجيوش العربية. وثالثها الإفراط في الاعتماد على معلومات استخباراتية غير دقيقة حول النوايا الإسرائيلية.
غير أن ثمة جانبًا آخر لشخصيته العسكرية تجلّى في أعقاب الهزيمة مباشرةً: لم يتنصّل ناصر من مسؤوليته، بل ألقى خطابًا تاريخيًا أعلن فيه تنحّيه عن السلطة متحملًا مسؤولية ما جرى. هذا الموقف—وإن لم تُتح له فرصة إعمال أثره لأن الشعب المصري خرج في مظاهرات شعبية تطالبه بالبقاء—كشف عن عمق إحساسه بالمسؤولية رغم ما أحدقت به من ضغوط.
وما إن انجلى غبار الهزيمة حتى شرع ناصر في عملية صعبة وشاقة لإعادة بناء الجيش المصري، مستعينًا بخبرات سوفيتية واسعة واستثمارات مالية ضخمة. وتُعدّ حرب الاستنزاف التي شنّها على طول قناة السويس من عام 1967م حتى عام 1970م—وهي آخر مشاركة عسكرية حقيقية له قبل وفاته—تعبيرًا صادقًا عن قدرته على التعافي والمثابرة في أصعب الظروف.
ثامنًا: الشخصية القيادية — كاريزما القائد وأساليب الإدارة
تعدّ الكاريزما أحد أبرز سمات شخصية ناصر القيادية؛ فقد امتلك قدرة غير عادية على التواصل مع الجماهير وتحريك المشاعر الجمعية. خطاباته—وهي جزء لا يتجزأ من خططه العسكرية والسياسية—كانت تتسم بتوظيف اللغة العامية المصرية المفهومة والصور البلاغية الحيّة التي تُلامس وجدان المستمع البسيط وتُحرّكه. هذه المهارة الخطابية كانت سلاحًا فعّالًا في ترسيخ المعنويات وصناعة الإجماع الشعبي.
في إدارة المؤسسة العسكرية، كان ناصر يُفضّل الإمساك بزمام القرارات الكبرى بنفسه، ويبدي انفتاحًا على النقاش في المراحل الأولى من تشكيل القرار، وإن كان يتحوّل إلى المركزية الحادة كلما اقتربنا من لحظة القرار النهائي. اعتمد في اختيار قادته العسكريين على معيارَي الكفاءة والولاء معًا، وهو ما أفضى أحيانًا إلى تسوية قد تكون ذات تكلفة كما تجلّى في حادثة عبد الحكيم عامر وصلاحياته الواسعة التي أسهمت في تردّي الأداء الميداني عام 1967م.
كان ناصر يُولي اهتمامًا بالغًا بمعنويات الجنود وقضاياهم الاجتماعية. إصلاحات 1952م الزراعية التي أتاحت للفلاح المصري الحصول على قطعة أرض كانت تعني في الوقت ذاته أن الجندي المصري الذي ينحدر أغلبه من الريف سيخوض معاركه بروح مختلفة دفاعًا عن وطن يحسّ أنه صاحب فيه حصة حقيقية. هذا الفهم للعلاقة بين الإصلاح الاجتماعي وقتال المقاتل يدل على نضج في التفكير العسكري يتجاوز حدود الخطط التكتيكية.
تاسعًا: الإرث العسكري — ما الذي تركه ناصر؟
رحل جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970م، تاركًا وراءه إرثًا عسكريًا واسع الأثر ومعقد الأوجه. على صعيد الإيجابيات، ورث خلفاؤه جيشًا مصريًا أعيد بناؤه على أسس أكثر حداثةً، وإن ظلت آفة تداخل القيادات وضعف المبادرة الميدانية تعوق إمكاناته الكاملة. الجيش الذي شهد نكسة 1967م المدمّرة كان هو ذاته الذي حقق في أكتوبر 1973م أعظم انتصاراته في تاريخه الحديث، وهو ما يعني أن الجهود التي بذلها ناصر في مرحلة إعادة البناء بين 1967م و1970م قد أسهمت في توفير بعض الأسس التي بنى عليها السادات انتصاره.
أسهم ناصر أيضًا في تكريس مفهوم الجيش الوطني الشعبي في مقابل الجيش الملكي المنفصل عن الشعب، وهو تحوّل ثقافي عميق في بنية المؤسسة العسكرية المصرية. كما أرسى مبدأ التصنيع العسكري الوطني بوصفه ركيزةً للأمن القومي، وإن تفاوتت درجة تطبيق هذا المبدأ في ضوء الموارد المتاحة.
في ما يخص حرب الاستنزاف (1967-1970م)، تمكّن ناصر من إثبات أن المنهج الاستنزافي يُمكن أن يكون أداةً فاعلة لفرض تكاليف باهظة على العدو وإرغامه على الانخراط في مفاوضات. وقد واصل هذه الحرب رغم الخسائر الفادحة في الطائرات والجنود، مما أرغم إسرائيل على الانخراط في صراع مُكلف وطويل لم تكن تتوقعه في أعقاب انتصارها الساحق في يونيو 1967م.
خاتمة: تقييم موضوعي للشخصية العسكرية
يُفضي التأمل في الشخصية العسكرية لجمال عبد الناصر إلى خلاصة دقيقة مفادها: أنه كان أكثر نجاحًا بوصفه مفكرًا استراتيجيًا وقائدًا سياسيًا عسكريًا منه ضابطًا ميدانيًا تفصيليًا. تبلغ عبقريته أوجها في قراءة المشهد الدولي والإقليمي والتوظيف الأمثل لأدوات القوة الشاملة—العسكرية والدبلوماسية والإعلامية—في خدمة أهداف استراتيجية واضحة.
في المقابل، عانت مسيرته من ثغرات منهجية لا يمكن إغفالها: المركزية المفرطة في صنع القرار، والتقاطع الملتبس أحيانًا بين الاعتبارات الأيديولوجية والضرورات الاستراتيجية (كما تجلّى في اليمن)، وغياب آليات رقابة فاعلة داخل المؤسسة العسكرية مكّنت مسؤولين كعبد الحكيم عامر من الاحتفاظ بصلاحيات تفوق قدراتهم الفعلية.
بيد أن هذه الثغرات لا تُلغي حجم المنجز ولا تُسقط الأهمية التاريخية للشخصية. جاء ناصر من مجتمع تحكمه بنية طبقية محافظة لترسّخ النخبة العسكرية حكرًا على فئة ضيقة، فكسر هذا الحاجز وأتاح لأبناء الطبقة الوسطى والدنيا وصولًا حقيقيًا إلى المؤسسة العسكرية. ومنح العرب لفترة وجيزة إحساسًا بأن بمقدورهم التحرر من هيمنة الاستعمار وصناعة مستقبلهم بأيديهم.
في نهاية المطاف، يبقى جمال عبد الناصر شخصيةً تاريخية تستعصي على الأحكام المطلقة؛ لا هو القديس المعصوم ولا هو الشيطان الملعون. هو إنسان حمل مشروعًا تاريخيًا أكبر من طاقة فرد واحد، وأفلح في بعض محطاته وأخفق في أخرى، وترك وراءه إرثًا لا يزال يشعل الجدل ويستفز العقول إلى اليوم. وهذا بحد ذاته دليل قاطع على أن أثره كان حقيقيًا وعميقًا بما يكفي لأن يبقى حيًّا في الذاكرة العربية الجمعية بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.
اترك تعليقاً