الطائرات المسيّرة المصنوعة في المملكة العربية السعودية: طموح وطني يرسم مستقبل الدفاع والتنمية

شارك: 𝕏 فيسبوك واتساب تيليغرام
الطائرات المسيّرة المصنوعة في المملكة العربية السعودية: طموح وطني يرسم مستقبل الدفاع والتنمية

الطائرات المسيّرة المصنوعة في المملكة العربية السعودية: طموح وطني يرسم مستقبل الدفاع والتنمية

الطائرات المسيّرة المصنوعة في المملكة العربية السعودية: طموح وطني يرسم مستقبل الدفاع والتنمية

مقدمة: من الاستيراد إلى التصنيع

في غضون سنوات قليلة، قطعت المملكة العربية السعودية شوطاً بعيداً في مسيرتها نحو توطين صناعة الطائرات المسيّرة، محوّلةً نفسها من دولة مستوردة لهذه التقنية إلى دولة مصنّعة وحتى مصدِّرة لها. وتُعدّ هذه النقلة النوعية واحدة من أبرز ثمار رؤية المملكة 2030، التي جعلت من الاستقلالية الدفاعية والصناعية ركيزةً محوريةً في بناء الدولة الحديثة. فبينما كانت المملكة قبل عقد من الزمن تعتمد اعتماداً شبه كلي على الاستيراد في تلبية احتياجاتها من الطائرات بدون طيار، باتت اليوم تمتلك منظومة متكاملة من الشركات والمصانع والكفاءات الوطنية التي تشكّل نواة صناعة محلية واعدة.

لا يقتصر الاهتمام بهذا القطاع على الجانب العسكري والدفاعي وحسب، بل يمتد ليشمل التطبيقات المدنية في الزراعة والبناء والبنية التحتية والبيئة، مما يجعل الطائرات المسيّرة أداةً استراتيجية متعددة الأبعاد في المشروع التنموي الوطني. وتكشف الأرقام والمعطيات الراهنة عن حجم هذا التحوّل ومداه؛ إذ باتت السوق السعودية للمسيّرات تُشكّل قطاعاً اقتصادياً ضخماً في طور النضج والتسارع.

أولاً: السياق الاستراتيجي ودوافع التوطين

رؤية 2030 ومحرك التحول الدفاعي

يشكّل الإطار الاستراتيجي لرؤية المملكة 2030 المظلةَ الكبرى التي تنضوي تحتها جميع المساعي الرامية إلى توطين الصناعات الدفاعية، ومن بينها صناعة المسيّرات. فقد حددت الرؤية هدفاً طموحاً يتمثل في توطين ما يزيد على 50% من الإنفاق الدفاعي للمملكة بحلول عام 2030، وهو ما تعمل الهيئة العامة للصناعات العسكرية على تحقيقه بخطى ثابتة ومتسارعة.

ويُترجم هذا الهدف الكبير في الواقع العملي تقدماً ملموساً؛ إذ ارتفعت نسبة توطين الإنفاق العسكري من 4% عام 2018 إلى 19.35% في وقت لاحق، ثم قفزت إلى 24.89% بنهاية عام 2024، وهو ما يُشير إلى وتيرة تصاعدية قياسية تُبشّر ببلوغ الهدف المنشود في الموعد المحدد. كما ارتفع عدد المنشآت المرخّصة في قطاع الصناعات العسكرية ليصل إلى 296 منشأة حتى الربع الثالث من عام 2024.

الدافع الأمني: الدرس المستخلص

لا يمكن قراءة قرار المملكة بتوطين صناعة المسيّرات بمعزل عن السياق الأمني الإقليمي. فقد أثبتت الهجمات المتكررة التي شنّتها جماعة الحوثي بطائرات مسيّرة على الأراضي السعودية ضرورةَ امتلاك قدرات وطنية متكاملة، سواء في مجال التصدي لهذه التهديدات أو في ميدان الردع والمواجهة. وقد كان إعلان الهيئة العامة للصناعات العسكرية عام 2021 عن تدشين أعمال تطوير وتصنيع وتوطين منظومات طائرات بدون طيار، والاستهداف بإطلاق 40 نظاماً خلال خمس سنوات، رسالةً واضحة بأن المملكة تسعى إلى بناء اكتفاء ذاتي حقيقي في هذا الميدان.

الفرصة الاقتصادية الكبرى

يُمثّل قطاع المسيّرات في المملكة فرصةً اقتصادية ضخمة تتعدى أبعادها الدفاعية. فوفقاً لتقديرات مجموعة “جراند فيو” للأبحاث الأمريكية، من المتوقع أن تصل إيرادات سوق المسيّرات في المملكة إلى 1.4 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنةً بـ694 مليون دولار عام 2024. أما المسيّرات ذات الاستخدام العسكري والدفاعي فقد حققت وحدها إيرادات بلغت 492.8 مليون دولار عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 1.8 مليار دولار بحلول 2030. وتندرج هذه الأرقام ضمن نمو عالمي متسارع لسوق المسيّرات الذي يُتوقع أن ينمو من 32.6 مليار دولار في 2024 إلى 85.8 مليار دولار بحلول 2033.

ثانياً: المسيّرات السعودية الصنع — من البداية إلى النضج

البداية: طائرة “صقر” ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية

تعود البداية الفعلية لصناعة المسيّرات السعودية إلى عام 2012، حين طوّرت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست) طائرةَ “صقر التكتيكية”، أول طائرة بدون طيار تُطوَّر وتُصنَّع بالكامل محلياً. وقد أُنتجت من هذه الطائرة أربعة إصدارات متتالية (صقر 1 وصقر 2 وصقر 3 وصقر 4)، وصنع منها نحو 38 مسيّرة دخلت الخدمة في القوات البرية السعودية. وتُعدّ هذه التجربة المبكرة المحطةَ التأسيسية التي أرست قواعد الخبرة التقنية الوطنية في هذا الميدان.

منظومة المسيّرات الحديثة: أسماء من صميم التراث

مع تصاعد الاهتمام الحكومي والخاص بصناعة المسيّرات، ظهرت في السنوات الأخيرة جيل جديد من الطائرات المسيّرة السعودية تحمل أسماء مستلهمة من الثقافة والتراث السعودي، وقد برزت هذه المسيّرات بشكل لافت في معرض الدفاع العالمي الذي انعقد في الرياض:

1 — طائرة “العنقا” تُعدّ طائرة “العنقا” من أبرز إنجازات صناعة المسيّرات السعودية، وهي من تطوير شركة “عنقاء للدفاع والطيران”. تتميز هذه الطائرة بمواصفات تقنية متقدمة؛ إذ يبلغ طول جناحيها 24 متراً، وهي قادرة على الطيران لمدة 50 ساعة متواصلة على ارتفاع يصل إلى 40 ألف قدم، وتعمل بنظام التحكم عبر الأقمار الصناعية، مما يُتيح استخدامها في مهمات الاستطلاع الواسع النطاق وبعض المهمات الخاصة. ونالت شركة “العنقا” 25 براءة اختراع، وتصدّر منتجاتها إلى دول عدة، من بينها تركيا التي استوردت عدداً من مسيّرات “العنقا” لتوفير خيارات المراقبة الأمنية لحركة السفن في ميناء مرمرة. كذلك استخدمت شركة الكهرباء السعودية مسيّرات “العنقا” في صيانة أبراج الجهد العالي الكهربائية، مما أسهم في توفير ما يزيد على 100 مليون ريال.

وتمتلك شركة “عنقاء” أيضاً طائرة “MP_300” المتسكّعة (Loitering Munition) التي تتميز بسرعة هجومية تبلغ 250 كيلومتراً في الساعة ونطاق اتصال يصل إلى 100 كيلومتر وارتفاع عملياتي يبلغ 5000 متر مع قدرة تحميل 30 كيلوغراماً.

2 — طائرة “سموم” تُمثّل مسيّرة “سموم” الذراعَ الاستراتيجية لشركة “إنترا للتقنيات الدفاعية”، وهي طائرة بدون طيار ذات تحليق طويل من فئة MALE (Medium Altitude Long Endurance). اشتملت عملية تطوير هذه الطائرة على ثلاث سنوات كاملة من التصميم والتنفيذ على يد كوادر وطنية سعودية من مخرجات برنامج الابتعاث. وقد أعلنت شركة “إنترا” عن الانتهاء من تطوير منظومتها في معرض الدفاع العالمي 2024، مع توقعات بإدخالها الخدمة خلال عام 2025. تتميز “سموم” بقدرتها على التحليق على ارتفاع يصل إلى 30 ألف قدم، وتنخفض نسبة المعادن المستخدمة في تركيبها بما يُعزّز قدرات التخفي، كما اعتمدت بشكل شبه كامل على المكونات المحلية بما فيها أنظمة الرؤية المملوكة بالكامل للشركة، ويبقى المحرك الاستثناءَ الرئيسي في هذه المعادلة.

3 — طائرتا “عاصف 1″ و”عاصف 2” أنجزت شركة “إنترا للتقنيات الدفاعية” تصنيع طائرتَي “عاصف 1” و”عاصف 2″، وبدأت في تصديرهما إلى إسبانيا وجنوب أفريقيا، مما يجعلهما من أوائل المسيّرات السعودية التي تعبر حدود المملكة تجارياً نحو الأسواق الدولية. ويُشكّل هذا التصدير شهادةً على الجودة والموثوقية التي بلغتها الصناعة الوطنية.

4 — طائرة “هبوب” “هبوب” طائرة مسيّرة سعودية تحمل اسماً من بيئة الجزيرة العربية، وتُضاف إلى منظومة المسيّرات المعروضة في المعارض الدفاعية السعودية، وتُسهم في تنويع المنظومة الجوية الوطنية.

5 — طائرة “اليمامة” تطير “اليمامة” لمدة 6 ساعات متواصلة على ارتفاع 4000 متر، وهي من المسيّرات ذات الاستخدام المتعدد الأغراض التي تمثّل نماذج الإنتاج السعودي في فئة الطائرات متوسطة الحجم.

6 — طائرة “العارض” في إنجاز إضافي يُعزّز التوزّع الجغرافي للصناعة الوطنية، شهد عام 2024 افتتاحَ أول مصنع لتصنيع الطائرات المسيّرة في منطقة القصيم بخبرات وطنية، وأطلق عليه أمير المنطقة اسم “العارض” على أول طائرة تُصنع فيه، مما يُشير إلى أن الصناعة باتت تتجاوز مركزية العاصمة لتتوسع في مختلف أرجاء المملكة.

ثالثاً: الشركات الرائدة في صناعة المسيّرات السعودية

شركة إنترا للتقنيات الدفاعية

تُعدّ شركة “إنترا للتقنيات الدفاعية” من أبرز اللاعبين في ميدان صناعة المسيّرات السعودية. تمتلك الشركة مصنعاً متطوراً في مدينة الرياض معتمداً من الهيئة العامة للصناعات العسكرية، تصل طاقته الإنتاجية الحالية إلى إنتاج عشرات الطائرات الكبيرة وما يزيد على 100 طائرة صغيرة سنوياً. والأهم من ذلك أن المصنع لا يقتصر على تصنيع الطائرات فحسب، بل يشمل أيضاً تصنيع الحمولات والأنظمة المساندة، مما يجعله منظومةً صناعية متكاملة.

وقد وقّعت “إنترا” اتفاقية مع شركة الشرق الأوسط للمحركات لتصنيع محركات الطائرات المسيّرة محلياً، وهو خطوة استراتيجية نحو تحقيق اكتفاء ذاتي أعمق في سلسلة التوريد. وفي نهاية عام 2024، أعلنت شركة “نمو المالية” إطلاقَ أول صندوق استثماري متخصص في قطاع الصناعات العسكرية، مستثمرةً في “إنترا” عبر الاستحواذ على حصة منها، وهو ما يُشير إلى تنامي الاهتمام الاستثماري الخاص بهذا القطاع.

ويخطط المصنع للتوسع في طاقته الإنتاجية لتلبية الطلب المتزايد في السوق المحلية، وفقاً لما أفاد به المهندس عبد العزيز الحسين، الرئيس التنفيذي للشركة.

شركة عنقاء للدفاع والطيران

تُركّز شركة “عنقاء للدفاع والطيران” على تطوير وتصنيع مسيّرات مدنية وعسكرية متعددة الاستخدامات. وقد نجحت الشركة في تصدير منتجاتها إلى الأسواق الخارجية، بما فيها تركيا، مما يُشير إلى قدرتها التنافسية على المستوى الإقليمي. ويرى سطام القرقاح، رئيس مجلس إدارة الشركة، أن صناعة المسيّرات في المملكة تشهد نمواً ضخماً، وأن الشركة صنّعت طائرات عدة للجهات الحكومية سواء العسكرية أو في الإطار التجاري والتنموي.

شركة الأنظمة الجوية للصناعة

تُعدّ شركة “الأنظمة الجوية للصناعة” لاعباً آخر في المشهد الصناعي السعودي للمسيّرات. ويصف سلطان البريكان، رئيسها التنفيذي، قطاعَ صناعة المسيّرات بأنه “واعد ومغرٍ”، مؤكداً أن الشركات بدأت تتجه بقوة نحو هذه الصناعة نظراً لانخفاض تكلفتها مقارنةً بالطائرات التجارية والهليكوبتر، مع قدرتها على أداء المهام ذاتها. ويُضيف أن من يستثمر في القطاع بإمكانه استرجاع رأس ماله في غضون عامين فحسب، نظراً للقوة الشرائية الكبيرة التي يشهدها السوق السعودي.

الشركة السعودية للصناعات العسكرية “سامي”

تأسست “سامي” في مايو 2017 وهي مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، وتضطلع بدور محوري في توطين الصناعات الدفاعية السعودية. تهدف “سامي” إلى المساهمة في توطين 50% من الإنفاق الدفاعي للمملكة، وتطمح لتكون ضمن أفضل 25 شركة متخصصة في الصناعات العسكرية على مستوى العالم بحلول 2030. حصدت مجموعة شركاتها ثلاث جوائز للتميز في توطين الصناعات العسكرية خلال اللقاء السنوي لقطاع الصناعات العسكرية في نوفمبر 2025.

رابعاً: الشراكات الدولية وتوطين التقنية

تُدرك المملكة أن بناء صناعة وطنية متكاملة يستلزم في مرحلة انتقالية الاستفادة من الخبرات والتقنيات الدولية من خلال شراكات استراتيجية مدروسة. وتبرز في هذا السياق عدة محاور:

الشراكة مع تركيا وقّعت المملكة اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين شركات وطنية وشركات دفاع تركية، بما فيها اتفاقية مع شركة “بايكار” التركية الشهيرة بمسيّراتها “بيرقدار”. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى توطين صناعة الطائرات المسيّرة والأنظمة المكوّنة لها داخل المملكة، مع رفع نسبة الإنتاج المحلي تدريجياً. كذلك تعاونت المملكة مع شركة “أسيلسان” التركية لتوطين تصنيع الهيكل والإلكترونيات وأنظمة الاستشعار.

الشراكة مع شركة بوينج الأمريكية أعلنت “سامي” في أبريل 2022 عن توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع شركة “بوينج”، الرائدة عالمياً في صناعة الطيران والدفاع، وتندرج هذه الشراكة في إطار توطين تقنيات متقدمة داخل المملكة.

الشراكة مع الشركات الصينية وقّعت المملكة اتفاقية مع مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية (CETC) لبناء مصنع للطائرات بدون طيار في المملكة، مما يُجسّد مبدأ جلب الصناعة إلى الداخل بدلاً من مجرد الاستيراد.

خامساً: تطبيقات المسيّرات السعودية خارج الميدان العسكري

تُجسّد الطائرات المسيّرة السعودية نموذجاً للتقنية ذات الاستخدام المزدوج (Dual Use)، إذ تتجاوز وظيفتها الدفاعية لتخدم قطاعات حيوية متعددة:

قطاع الزراعة تُوظَّف المسيّرات بشكل متزايد في الرصد الزراعي ومراقبة المحاصيل ورش المبيدات الحشرية بدقة عالية وبكلفة أقل. وتتوقع التقديرات الدولية أن يصل حجم سوق المسيّرات الزراعي في المملكة إلى حوالي 140 مليون دولار بحلول 2033، مقارنةً بـ42.3 مليون دولار عام 2024، بمعدل نمو سنوي مركب مرتفع خلال الفترة 2025-2033.

قطاع البنية التحتية والطاقة ثمة تطبيق ناجح بالفعل في هذا الميدان؛ إذ استخدمت شركة الكهرباء السعودية مسيّرات “العنقا” لصيانة أبراج الجهد العالي الكهربائية، مما وفّر أكثر من 100 مليون ريال، وهو مثال ملموس على القيمة الاقتصادية الضخمة التي تُضيفها هذه التقنية.

قطاع البناء والتطوير العمراني في ظل المشاريع العملاقة التي تنفذها المملكة في إطار رؤية 2030، كمشروع نيوم ومشروع البحر الأحمر وغيرهما، تُصبح المسيّرات أداةً لا غنى عنها. توفّر هذه الطائرات بيانات دقيقة وآنية من الأعلى، مما يُحدث نقلة نوعية في تخطيط مشاريع البناء وتنفيذها وإدارتها.

قطاع الأمن والمراقبة تُوظَّف المسيّرات على نطاق واسع في تأمين الحدود ومراقبة التجمعات الكبرى كموسم الحج وغيره، وفي دعم العمليات الأمنية الداخلية.

حماية البيئة أطلقت شركة “إنترا” مسيّرة “حارسة البيئة” المخصصة للرصد البيئي، وهي قادرة على مسح مساحة 100 كيلومتر ومزوّدة بكاميرات كهروضوئية وحيوية وحساسات دقيقة.

سادساً: التحديات التي تواجه الصناعة

لا تسير صناعة المسيّرات السعودية في طريق مفروش بالورود؛ فثمة تحديات جوهرية تستدعي المواجهة:

فجوة الطلب والإنتاج لا تزال القدرة الإنتاجية المحلية دون مستوى الطلب الضخم؛ فعلى الرغم من أن الحكومة استوردت مليوني طائرة مسيّرة في عام واحد من الصين للاستخدام المدني، فإن ذلك يكشف أن المصانع المحلية لم تبلغ بعد القدرة الكافية لتلبية الطلب الهائل في السوق.

الاعتماد على المكونات الأجنبية على الرغم من التقدم المحرز، تعتمد كثير من المسيّرات السعودية حتى الآن على مكونات أجنبية، ولا سيما المحركات وبعض أنظمة الملاحة. ويُعدّ الإسراع في توطين هذه المكونات أولويةً قصوى لضمان استقلالية تامة في سلسلة التوريد.

التنافسية الدولية تواجه الصناعة السعودية منافسةً شرسة من اللاعبين الكبار في السوق الدولية، كالشركات الأمريكية والإسرائيلية والتركية والصينية التي تتمتع بعقود من الخبرة وطاقات إنتاجية ضخمة.

الكفاءات البشرية على الرغم من الجهود المبذولة في بناء الكفاءات الوطنية عبر برامج الابتعاث والتدريب، تظل الحاجة إلى المزيد من الكوادر المتخصصة في هندسة الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم تحدياً مستمراً.

سابعاً: المشهد الاستثماري والمؤشرات المستقبلية

يستقطب قطاع المسيّرات اهتماماً استثمارياً متنامياً في المملكة، وتتجلى مؤشرات ذلك في أمور عدة:

أعلنت “نمو المالية” عن إطلاق أول صندوق استثماري متخصص في الصناعات العسكرية باستثمار مباشر في شركة “إنترا”. ويرى المستثمرون في القطاع أن إمكانية استرداد رأس المال في غضون عامين تُشكّل حافزاً قوياً للدخول في هذه الصناعة. كذلك تضخّ الهيئة العامة للصناعات العسكرية استثمارات ضخمة في البنية التحتية الصناعية، وتعمل على تهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

ومن المخطط أن تصل مساهمة الصناعات الدفاعية السعودية في الناتج المحلي الإجمالي إلى 95 مليار ريال (ما يعادل 25 مليار دولار) بحلول عام 2030، وهو رقم طموح يُعكس حجم التحول الذي تسعى إليه المملكة في هذا القطاع.

ثامناً: السعودية في خارطة المسيّرات الإقليمية والدولية

بدأت المملكة العربية السعودية تأخذ مكانها تدريجياً في خارطة الدول المصنّعة والمصدِّرة للمسيّرات على المستوى الإقليمي. فبينما تُهيمن على المشهد الإقليمي دولٌ كتركيا بمسيّراتها الشهيرة “بيرقدار TB2″، والإمارات بما طوّرته في إطار مجموعة “إيدج”، تُطوّر السعودية هويتها الصناعية الخاصة في هذا الميدان.

وتتسم الاستراتيجية السعودية بمزج الشراكات الدولية مع التطوير المحلي؛ إذ لا ترفض الاستفادة من الخبرات الأجنبية، لكنها في الوقت ذاته تشترط في معظم صفقاتها الكبرى نقلَ التقنية وتوطينها داخل المملكة. وهذا النهج يُمكّن الصناعة الوطنية من قطع الطريق الطويل بخطوات أسرع دون التخلي عن هدف الاكتفاء الذاتي.

خاتمة: نحو مستقبل سعودي في فضاء المسيّرات

يُقدّم المشهد الراهن لصناعة المسيّرات في المملكة العربية السعودية نموذجاً تنموياً جديراً بالإعجاب؛ فقي غضون أقل من عقد ونصف، انتقلت المملكة من صفر صناعي تقريباً في هذا الميدان إلى امتلاك منظومة من الشركات الوطنية التي باتت تُصدّر منتجاتها إلى الخارج، وصناعة تدعي حصتها في سوق دولية متنامية.

تُقدّم رؤية 2030 الإطارَ الاستراتيجي، وتُوفّر الهيئة العامة للصناعات العسكرية البيئةَ التنظيمية الداعمة، وتتولى الشركات الوطنية كـ”إنترا” و”عنقاء” وغيرهما ترجمةَ هذا الطموح إلى واقع ملموس. وتُشير الأرقام والمعطيات إلى أن هذه الصناعة لن تقف عند حدودها الراهنة، بل ستواصل نموّها المتسارع لتُصبح ركيزةً من ركائز الاقتصاد الوطني وقوةً فاعلة في منظومة الدفاع والتنمية.

ولعل أبلغ تعبير عن هذا الطموح هو في أسماء هذه الطائرات نفسها — “العنقا” وهي الطائر الأسطوري الذي يبعث من رماده، و”سموم” وهي الريح الصحراوية القوية، و”العارض” الذي يحمل اسم منطقة عريقة في الجزيرة العربية — فكأن المملكة بهذه التسميات تُعلن أن طائراتها التي تحلق في سمائها حاملةٌ لهوية متجذّرة في التراث، ومتطلّعة نحو آفاق المستقبل.


المصادر: وكالة العربية، صحيفة الاقتصادية، مجلة الاقتصاد السعودية، الهيئة العامة للصناعات العسكرية، منتدى Arab Defense، موقع Rutba للتحليلات الاستراتيجية — يوليو 2025.

🔗 رابط مختصر: https://arabdef.com/ksa-drones/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *