أنور السادات: الشخصية العسكرية — من الضابط الثائر إلى القائد الاستراتيجي

شارك: 𝕏 فيسبوك واتساب تيليغرام
أنور السادات: الشخصية العسكرية — من الضابط الثائر إلى القائد الاستراتيجي

أنور السادات: الشخصية العسكرية — من الضابط الثائر إلى القائد الاستراتيجي

أنور السادات: الشخصية العسكرية — من الضابط الثائر إلى القائد الاستراتيجي

في تاريخ القادة العسكريين الذين أثّروا في مسار أمم بأكملها، يقف محمد أنور السادات في مكانة متفردة ومثيرة للجدل في آنٍ واحد. فهو لم يكن مجرد رجل حمل السلاح وخاض المعارك، بل كان مفكراً استراتيجياً وسياسياً جسوراً تشكّلت شخصيته العسكرية عبر مراحل متعاقبة من التجربة والمعاناة والتأمل. من مدارس الكفاح ضد الاستعمار البريطاني في شبابه، إلى قيادة أكبر عملية حربية عرفتها المنطقة العربية في القرن العشرين، ومن ثمّ الجرأة على ما لم يجرؤ عليه أحد غيره بالسعي إلى السلام — يروي مسار السادات العسكري قصة رجل لم يفهم الحرب بوصفها غاية في حد ذاتها، بل أداةً لتحقيق الكرامة الوطنية والسيادة.

البدايات العسكرية: تكوين ضابط في زمن الاحتلال

وُلد محمد أنور السادات في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1918 في قرية ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية، في أسرة ريفية متواضعة. منذ صغره نشأ على الإحساس بهوان الاحتلال البريطاني، وكان جده الأكبر قد لقّنه أولى دروس الرفض والمقاومة. كان المستعمر حاضراً في كل مفصل من مفاصل الحياة المصرية، وهذا الواقع ترك أثراً عميقاً في وجدان الفتى أنور الذي اختار المؤسسة العسكرية طريقاً للتعبير عن طموحاته الوطنية.

التحق السادات بالأكاديمية العسكرية الملكية عام 1936، في المرحلة ذاتها التي شهدت قبول الطلاب من الأسر غير الأرستقراطية للمرة الأولى، وذلك في إطار إصلاحات اجتماعية أتاحت لأبناء الطبقة الوسطى والفلاحين الالتحاق بصفوف الضباط. وكان من رفاقه في هذه المرحلة التأسيسية الضابط الشاب جمال عبد الناصر، وهو اللقاء الذي سيُشكّل مساره السياسي والعسكري لعقود.

تخرج السادات عام 1938 برتبة ملازم ثانٍ، وخُصص للخدمة في السودان ثم في المنشآت الدفاعية الشمالية. لكن الطابع الأكاديمي الصارم للعمل العسكري الرسمي لم يكن ليُرضي روحه الثائرة. كانت عيناه ترقبان الساحة السياسية، ويده تمتد نحو تنظيمات سرية تطمح إلى التحرر من القيود البريطانية.

التنظيم السري والتجربة السجنية: عسكري في مواجهة السلطة

لم يكن السادات ضابطاً تقليدياً يكتفي بتنفيذ الأوامر. فمنذ سنواته الأولى في الجيش انتمى إلى خلايا سرية نسّقت مع قوى معادية للاحتلال البريطاني. شارك في تأسيس “تنظيم الضباط الأحرار” بالتنسيق مع عبد الناصر وآخرين، وهو التنظيم الذي سيُغيّر وجه مصر عام 1952. وفي سياق تعاطفه مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية — إذ كان يرى في الضغط الألماني فرصة للتخلص من الوجود البريطاني — تورط في التواصل مع ضباط ألمان، ودفع ثمن ذلك اعتقالاً ومحاكمة عسكرية أُفضت إلى فصله من الجيش وسجنه.

المرحلة السجنية بين عامَي 1942 و1944، ثم من 1946 إلى 1948، لم تُكسر روح السادات، بل صنعت منه شخصية عميقة الداخل. في زنازين ليمان طره ومعتقل الأجانب، انكبّ على القراءة والتأمل، وكتب مذكراته الأولى، واكتشف قدراً من الصمود الداخلي وجده لاحقاً عصباً لكل قراراته الكبرى. قال ذات مرة إن السجن علّمه أن الحرية الداخلية أعمق من أي قضبان ظاهرة، وأن القائد الحقيقي هو من يتحكم في أعصابه في أصعب اللحظات.

عاد إلى الجيش عام 1950 بعد سلسلة من المساعي والوساطات، واستعاد رتبته ومسيرته، غير أنه عاد رجلاً مختلفاً: أكثر صبراً، أوسع رؤية، وأشد يقيناً بأن التغيير يشترط تنظيماً ووقتاً مناسباً.

ثورة يوليو 1952: الضابط في قلب التحول التاريخي

في ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952، تحرّكت دبابات الجيش المصري نحو المواقع الحيوية في القاهرة، وأُذيع بيان الثورة على الملك فاروق وعلى العالم. كان السادات من بين الضباط المشاركين في العملية، وأُسندت إليه مهمة إذاعة البيان الأول. تلك اللحظة الرمزية — حين وقف أمام المايكروفون يُعلن انتهاء عهد وبداية آخر — لخّصت الدور الذي سيؤديه لسنوات طويلة: رجل القرار الجريء والكلمة المؤثرة.

بعد الثورة تقلّب السادات في مناصب قيادية متعددة في ظل حكم عبد الناصر، وإن كان دوره السياسي قد غلب على دوره العسكري. شغل رئاسة مجلس الأمة، وتولّى منصب نائب رئيس الجمهورية في مرحلتين، وظلّ طوال تلك السنوات ظلاً وفياً لعبد الناصر، ومحلّ استهزاء من بعض المقربين الذين أطلقوا عليه لقب “بربري ناصر” تحقيراً. لكن السادات كان يدرك أن الصبر هو سلاح القادة الحكماء، وأن لكل دور وقته.

حرب أكتوبر 1973: القمة الكبرى للقائد العسكري

لا يمكن الحديث عن الشخصية العسكرية للسادات دون التوقف المطوّل عند حرب أكتوبر 1973، التي تُعدّ بحق التجسيد الأعمق لقدراته الاستراتيجية والقيادية. فهذه الحرب لم تكن مجرد معركة عسكرية؛ كانت مشروعاً سياسياً وعسكرياً ونفسياً شاملاً دبّر له السادات بعقله وشخصيته وإرادته.

الإعداد والتخطيط: عقل استراتيجي بارد

حين تولّى السادات السلطة في أعقاب وفاة عبد الناصر في سبتمبر 1970، ورث مصر منهكة اقتصادياً، جيشها مكسور الجناح من هزيمة 1967، وشعبها مثقل بعقدة الهزيمة. الشريط الساخن مع إسرائيل على طول قناة السويس — الذي عُرف بحرب الاستنزاف — كان قد انتهى باتفاق وقف إطلاق النار، لكن الجرح لم يندمل. كانت سيناء محتلة، والمياه الدولية الاقتصادية مشلولة، والكرامة المصرية في الحضيض.

انكبّ السادات على دراسة الوضع بعقل بارد وعين ثاقبة. لم يكن يبحث عن نصر شامل يُعيد الأراضي دفعةً واحدة؛ كان يبحث عن نصر كافٍ يُحرّك الجمود السياسي المتحجر منذ 1967، ويجبر القوى الكبرى على التدخل لإيجاد تسوية. كانت استراتيجيته في جوهرها سياسية أكثر منها عسكرية بحتة: استخدام الحرب ورقةً ضغط لفتح أبواب الدبلوماسية المغلقة.

لهذه الغاية، عمل السادات على عدة محاور في توقٍ واحد:

أولاً: إعادة بناء الجيش المصري الذي كان يعاني من قصور تسليحي حاد. طرد المستشارين السوفييت عام 1972 في مناورة جريئة فاجأت الجميع، غير أن التفسيرات تتباين حول أهدافها الحقيقية؛ فقد عاد إلى التفاهم مع موسكو لاحقاً وحصل على أسلحة حديثة، في مقدمتها صواريخ سام وصواريخ ساغر المضادة للدروع التي ستُغيّر معادلة المعركة.

ثانياً: التنسيق مع سوريا بقيادة حافظ الأسد لشنّ هجوم متزامن على جبهتين، وهو ما وضع إسرائيل في مأزق استراتيجي حقيقي.

ثالثاً: إحكام السرية التامة حول موعد الهجوم وطبيعته، في عملية تضليل استراتيجية ناجحة أبهرت المحللين العسكريين الغربيين لاحقاً.

السادس من أكتوبر: ساعة الصفر

في الساعة الثانية والعشرين دقيقةً من ظهر السادس من أكتوبر 1973، يوم عاشوراء المقدس عند المسلمين ويوم الغفران “يوم كيبور” عند اليهود، تحرّكت موجات الطائرات المصرية نحو خطوط بارليف، وانطلقت آلاف المدافع في أضخم تغطية نارية شهدها الشرق الأوسط. في دقائق معدودة، بدأ الجنود المصريون يعبرون القناة في قوارب مطاطية ومعهم خراطيم المياه التي ستهدم الاستحكامات الرملية الشهيرة.

كان السادات يجلس في مقر القيادة بهدوء لافت، مرتدياً بزته العسكرية، يراقب تطور العمليات دون أن يفقد أعصابه. أفادت التقارير بأنه أمضى ساعات الهجوم الأولى في حالة من التركيز شبه الصوفي، كأنه يعيش لحظةً كان قد تخيّلها آلاف المرات من قبل. شهد أحد المقربين منه أنه حين جاءته أنباء عبور الموجة الأولى بنجاح، دمعت عيناه دون أن يبدي أي انفعال مبالغ فيه، ثم عاد إلى متابعة الخرائط.

الإنجاز العسكري وما أثاره من جدل

في الأيام الأولى أحرز الجيش المصري إنجازات مذهلة: عبور القناة، تدمير خط بارليف، إيقاع خسائر فادحة في المدرعات الإسرائيلية بفضل الصواريخ المضادة للدروع، ودفع قوات العدو إلى التراجع. كان يمكن لهذا الزخم أن يمتد أكثر، لكن قرار السادات بالتوقف في الثالث عشر من أكتوبر بدلاً من المضي قُدُماً نحو العمق أثار جدلاً واسعاً.

القيادة العسكرية، وفي مقدمتها الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان، طالبت بتغيير الخطة والتقدم نحو الممرات الجبلية قبل أن تُعيد إسرائيل ترتيب صفوفها. أرادت أن تُوظّف قوة الزخم العسكري الكاملة. بيد أن السادات رأى ما رآه القادة السياسيون لا القادة الميدانيون: أن الهدف الاستراتيجي قد تحقق بمجرد كسر الجمود وإثبات قدرة مصر على الفعل، وأن التمادي قد يُعقّد التسوية الدبلوماسية المرتقبة. قال بعدها بسنوات: “لم أكن في حاجة إلى الاستيلاء على سيناء كلها لأجلس إلى طاولة المفاوضات ندّاً.”

رغم الجدل المستمر حول قرار التوقف، وما أعقبه من ثغرة الدفرسوار التي أربكت الجيش المصري في المرحلة الأخيرة، يظل الإجماع بين المحللين العسكريين الموضوعيين أن عبور أكتوبر كان إنجازاً لوجستياً واستراتيجياً استثنائياً بكل المقاييس.

القائد ومفهوم الحرب: فلسفة عسكرية خاصة

ما يميز السادات عسكرياً ليس فقط قرار الحرب ولا إدارتها، بل الفلسفة التي حكمت تعاطيه مع المؤسسة العسكرية والقوة بوجه عام. كان يؤمن بمبدأ راسخ: أن الجيش أداةٌ للدولة لا غاية في ذاتها، وأن الحرب لا تُبرر إلا حين تُعجز الأدوات الأخرى. يكتب في مذكراته “البحث عن الذات”: “الحرب ليست مغامرة رعاش أو مجد شخصي، هي قرار دولة تتحمل تبعاته أجيال.”

هذه الفلسفة هي التي دفعته لاحقاً إلى الجرأة التاريخية بزيارة القدس عام 1977 وخطابه أمام الكنيست الإسرائيلي، في لحظة أذهلت العالم. كان ذلك في نظره امتداداً طبيعياً للمنطق ذاته الذي قاد به حرب أكتوبر: تحقيق الهدف الاستراتيجي بأقل الأثمان وأعظم الفعالية، سواء أكان الثمن دماً أم كبرياء.

السادات والمؤسسة العسكرية: علاقة مركبة

لم تكن علاقة السادات بالمؤسسة العسكرية علاقة هيمنة أحادية. كان يجلّ الجيش ويُعلي من شأنه في خطابه العلني، لكنه كان أيضاً واضعاً حدوداً فاصلة بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية. أقال وزير الحربية أحمد إسماعيل في أعقاب الحرب حين تباينت رؤاهما، وأبعد الشاذلي رئيس الأركان الذي كان من أشد المعارضين لقراراته العملياتية، مؤكداً أن القيادة السياسية هي المرجعية العليا في القرار الحربي.

ومع ذلك، منح الجيشَ المصريَّ قدراً من الاستقلالية المؤسسية، وحرص على إعادة بنائه وتحديثه في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما حين انفتح على التسليح الغربي الأمريكي بعد اتفاقيات كامب ديفيد. المساعدات العسكرية الأمريكية التي تدفقت على مصر بعد 1979 جعلت الجيش المصري يرتفع من مستوى الجيوش المتهالكة إلى مصاف المؤسسات العسكرية المحترمة إقليمياً، وذلك كان في تقديره صوناً لسيادة مصر الفعلية لا تفريطاً فيها.

الانتقادات: قراءة نقدية منصفة

كما لكل شخصية تاريخية بصمتها، كان للسادات منتقدوه العسكريون والسياسيون. رأى المعارضون الناصريون والقوميون العرب أن التفاوض على السلام المنفصل مع إسرائيل قد خانت مصر الحلم العربي المشترك، وجعلت الجيش المصري — الذي كان رأس الحربة العربية — يتخلى عن دوره الريادي. ورأى المقربون من الشاذلي أن القرارات العملياتية خلال الحرب نفسها جاءت متردّدة في لحظات كان المضي أجدى. فضلاً عن ذلك، رأى بعضهم في تعامله مع الاعتراضات الداخلية داخل الجيش ميلاً إلى تغليب الاعتبار السياسي على الاعتبار العملياتي.

هذه الانتقادات لها وجاهتها في سياقها التاريخي، ولا ينبغي أن تُهاب من أي تقييم موضوعي. غير أن الفيصل في التقييم العسكري يبقى النتيجة الكلية: كيف أثّر ما فعله على موقع مصر ومصالح شعبها؟ وهنا تتشعب إجابات المؤرخين.

شخصيته القيادية: ما الذي صنع منه قائداً؟

ما الذي جعل السادات قائداً مختلفاً؟ ثمة سمات قيادية يكاد المحللون يُجمعون عليها:

أولاً: الإقدام في الرهانات الكبرى. كان السادات يُقدم حين يكون الثمن أثقل ما يمكن تصوره. قرار الحرب في أكتوبر كان رهاناً يُعرّض الجيش المصري لخطر الإبادة في حال الفشل، وقرار زيارة القدس كان رهاناً يُعرّضه لعزل عربي كامل واغتيال محتمل.

ثانياً: القدرة على العزلة المثمرة. اكتسب في السجن قدرة فائقة على مقاومة الضغط الاجتماعي والإعلامي، واتخاذ القرار من برج هدوء داخلي. كثيراً ما أذهل مساعديه بقدرته على النوم العميق في أحلك الليالي السياسية.

ثالثاً: التفكير بمستويات متعددة في وقت واحد. كان يرى الحرب بعيناً عسكرية وسياسية ودبلوماسية ونفسية في آنٍ واحد. حين كانت الدبابات تتحرك، كان هو يُفكّر في ما سيقوله هنري كيسنجر ولئونيد بريجنيف بعد أسبوع.

رابعاً: الشخصية الكاريزمية في الخطاب. كان خطيباً مقتدراً ذا حضور آسر. خطابه في الكنيست الإسرائيلي أُدرج في الأدبيات الدبلوماسية العالمية بوصفه نموذجاً في الجرأة والصدق والبلاغة.

الخاتمة: شهيد السلام أم ضحية الصواب المر؟

في السادس من أكتوبر 1981، وهو يحيي ذكرى انتصار الجيش في الاستعراض العسكري المهيب بالقاهرة، اغتيل السادات برصاص ضباط من الجيش انتمى بعضهم إلى تنظيمات إسلامية متشددة. فاجأت الجريمة العالم ووجعت مصر، وفتحت ملفات الجدل حول الإرث من جديد.

يبقى أنور السادات واحداً من أكثر الشخصيات العسكرية والسياسية التي أثارت الجدل في تاريخ المنطقة العربية الحديث. فمن ناحية، بنى عملاً عسكرياً بارزاً في عبور أكتوبر أعاد الكرامة لشعب كان جرحه عميقاً، وأثبت أن التخطيط الاستراتيجي الرصين قادر على تحقيق ما يبدو مستحيلاً. ومن ناحية أخرى، حمل بمفرده ثمن مساره الانفرادي نحو السلام بما فيه من خسائر استراتيجية على المحيط العربي.

لكن ما يقف خارج الجدل هو هذا: أنور السادات كان قائداً حمل الحرب والسلام معاً بيد واحدة، وفهم أن الشجاعة الحقيقية ليست في إطلاق الرصاص دائماً، بل في امتلاك الشجاعة أحياناً لإيقافه. وهذا الفهم — مهما اختلف المقيّمون حول نتائجه — يُرسّخ مكانه في قائمة أكثر القادة العسكريين تعقيداً وجرأةً وإثارةً للتأمل في التاريخ الحديث.

محمد أنور السادات (1918 – 1981) — الرئيس الثالث لجمهورية مصر العربية، حائز جائزة نوبل للسلام 1978، والقائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية إبان حرب أكتوبر المجيدة.

🏷 مصر
🔗 رابط مختصر: https://arabdef.com/anwar-sadat/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *