نساء في المؤسسة العسكرية العربية: قصص ماجدات ملهمات
نساء في المؤسسة العسكرية العربية: قصص ماجدات ملهمات
نساء في المؤسسة العسكرية العربية: قصص ماجدات ملهمات
حين تحمل المرأة درع الوطن
في خضم التحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات العربية على مدار العقود الماضية، برزت ظاهرة لافتة تستحق التأمل والدراسة العميقة: دخول المرأة العربية إلى عالم المؤسسة العسكرية، ذلك الفضاء الذي كان حكراً على الرجل عبر قرون متطاولة. لم يكن هذا الدخول وليد اللحظة، بل هو ثمرة نضال طويل، ورحلة شاقة من الإثبات والتحدي والتميز، خاضتها نساء شجاعات آثرن أن يُحوّلن حلمهن إلى واقع، وصوتهن الناعم إلى أمر عسكري، وعزيمتهن الصلبة إلى مسيرة لا تتوقف.
إن الحديث عن المرأة في المؤسسة العسكرية العربية هو حديث متشعب الأوجه؛ فهو في الوقت ذاته حديث عن التاريخ والحاضر والمستقبل، عن الثقافة والقانون والمجتمع، عن الذات الفردية والهوية الجماعية. إنه حديث عن نساء قررن يوماً ما أن يُكذّبن المستحيل، وأن يُعيدن رسم الحدود التي رُسمت دونهن.
منذ أن وقفت مي زيادة تدافع بقلمها عن حق المرأة في التعلم والمشاركة، حتى اليوم الذي تطير فيه لمياء على متن طائرة حربية في سماء الخليج، وترتدي فيه أخرى الزي الكاكي في رحاب الأكاديمية العسكرية الأردنية، أو تقود دورية أمنية في شوارع تونس المضاءة، يمتد خيط واحد لا ينقطع: إرادة المرأة العربية في أن تكون حاضرة، فاعلة، ومؤثرة في كل ميادين الحياة، بما فيها ميدان الدفاع عن الوطن.
هذه المقالة ليست مجرد سرد تاريخي جاف، بل هي رحلة إلى أعماق تجارب إنسانية حقيقية، وقصص رائدات حقيقيات أبَيْنَ أن يظللن في الهامش، فانتقلن إلى المتن، وكتبن بدماء قلوبهن صفحات مضيئة في سجل التاريخ العسكري العربي.
الجذور التاريخية: المرأة العربية والنضال المسلح
لفهم الحاضر، لا بد من استحضار الماضي. فالمرأة العربية لم تكن غريبة عن ميادين النضال والدفاع عبر التاريخ. في عمق التراث العربي والإسلامي، نجد صفحات مضيئة تروي بطولات نساء خضن المعارك وأدرن شؤون القتال بجدارة لا تُضاهى.
تقف خولة بنت الأزور شامخةً في ذاكرة التاريخ الإسلامي المبكر، فارسةً أبلت بلاءً حسناً في معارك الشام، وقاتلت من أجل تحرير أسيرين وقعوا في يد الأعداء. وتحضر أيضاً الخنساء، ليس فقط بدموعها على أخيها صخر، بل بروحها التي بثّتها في أبنائها الأربعة الذين استشهدوا في معركة القادسية، وقد صبرت واحتسبت. كما تلوح في الأفق نسيبة بنت كعب، المرأة التي حملت السلاح وشاركت في غزوة أحد دفاعاً عن النبي الكريم.
وفي العصر الحديث، حين اشتعلت نيران الثورات والحروب في العالم العربي، لم تكن المرأة بعيدة. في الجزائر الثائرة ضد الاستعمار الفرنسي بين عامَي 1954 و1962، كانت المجاهدات في الصفوف الأمامية، يحملن السلاح ويُهرّبن المعلومات ويُسعفن الجرحى. جميلة بوحيرد وجميلة بوباشا وزهور ظريف أصبحن رموزاً للتحرر والنضال، ولم يكن الزنزانة والتعذيب ليكسر إرادتهن الفولاذية.
وفي فلسطين، أسهمت المرأة الفلسطينية في كل مراحل النضال الوطني، من الثورة الكبرى عام 1936 إلى الانتفاضتين الأولى والثانية، وهي تحمل في يد أطفالها وفي اليد الأخرى حجرها وصوتها وحضورها الذي لا يُقهر.
هذا الإرث التاريخي الثري لم يكن مجرد ذكرى، بل كان وقوداً يُغذّي طموح الأجيال اللاحقة من النساء العربيات اللواتي قررن أن يُكملن المسيرة، لكن هذه المرة ضمن مؤسسة رسمية، بزي رسمي، ورتبة رسمية.
الأردن: بيت المرأة العسكرية العربية الأول
إذا أردنا أن نتحدث عن مسيرة المرأة العربية في المؤسسة العسكرية الرسمية الحديثة، فإن المملكة الأردنية الهاشمية تحتل مكانة خاصة وريادية. فقد كانت الأردن من أوائل الدول العربية التي فتحت أبواب جيشها الوطني أمام المرأة بشكل منظم ومدروس.
في عام 1972، وُلدت فكرة تجنيد المرأة في القوات المسلحة الأردنية، وأُنشئت كتيبة نسائية خاصة ضمت عشرات المتطوعات اللواتي خضعن لتدريبات مكثفة. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ إذ واجهت هؤلاء الرائدات تحديات جمّة، من شكوك اجتماعية وعائلية، إلى ضغوط ثقافية وتحفظات دينية. لكنهن أثبتن بالفعل، لا بالكلام، أن المرأة قادرة على تحمل أعباء الخدمة العسكرية وتطبيق معاييرها بكفاءة عالية.
العقيدة هند فايز: تُعدّ من أبرز رائدات القوات المسلحة الأردنية، فقد كانت من أوائل النساء اللواتي وصلن إلى رتبة عقيد في الجيش الأردني. لم يكن وصولها إلى هذه الرتبة محض حظ، بل كان نتاج سنوات من العمل الدؤوب والتفاني في الخدمة، وشاركت في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة خارج الأردن، ما أعطاها بُعداً دولياً أضاف إلى تجربتها العسكرية ثراءً نادراً.
ومع مرور السنوات، توسعت مشاركة المرأة في الجيش الأردني لتشمل تخصصات كانت حكراً على الرجال: الشرطة العسكرية، والاستخبارات، والطيران، والعمليات القتالية. وأصبحت المرأة الأردنية العسكرية تُشارك في بعثات حفظ السلام الأممية، مما رفع مكانة الأردن دولياً وعكس صورة ناصعة عن تقدمه في مجال حقوق المرأة.
اليوم، يُشكّل الكوادر النسائية في القوات المسلحة الأردنية ما يقارب ثلاثة آلاف منتسبة، يعملن في مختلف التخصصات والمواقع، ويحملن رتباً عسكرية متنوعة، ويُساهمن بشكل فعال في حماية أمن المملكة واستقرارها.
الإمارات العربية المتحدة: الطيارات اللواتي شقّقن السماء
على الضفة الأخرى من الخليج العربي، كتبت الإمارات العربية المتحدة فصلاً مختلفاً ومدهشاً في قصة المرأة والمؤسسة العسكرية. ففي بلد يبدو للوهلة الأولى محافظاً في تقاليده الاجتماعية، كانت تختمر ثورة هادئة في أروقة القوات الجوية الإماراتية.
المقدمة مريم المنصوري: هذا الاسم لا يحتاج إلى مقدمة طويلة في عالم الدفاع العربي. ففي عام 2014، حين شنّت دول التحالف العربي ضربات جوية على مواقع تنظيم داعش في سوريا، كانت مريم المنصوري تقود طائرتها الحربية من طراز F-16 في مشهد لم يكن أحد يتخيله قبل سنوات قليلة. امرأة إماراتية، بزيها العسكري الرسمي، وراء قمرة قيادة مقاتلة من أكثر الطائرات تطوراً في العالم، تُشارك في عملية عسكرية حقيقية في أجواء دولة عربية مجاورة.
لم يكن وصول المنصوري إلى هذا الموقع طريق مستقيماً. ولدت عام 1979، وأظهرت منذ صغرها شغفاً لا يُقاوَم بالطيران. درست في الولايات المتحدة الأمريكية، وتدربت على يد أمهر الطيارين الأمريكيين قبل أن تعود إلى وطنها محملة بخبرة نادرة وعزيمة لا تُقهر. حين أتيحت لها الفرصة للانضمام إلى القوات الجوية الإماراتية، لم تتردد لحظة.
وراء مريم، نسج عشرات الطيارات الإماراتيات قصصهن الخاصة في سماء الإمارات والمنطقة. وأصبحت دولة الإمارات مرجعاً للدول العربية الأخرى في كيفية دمج المرأة في الأجهزة العسكرية والأمنية بصورة فعالة ومهنية.
أبعد من ذلك، فإن قوات الشرطة الإماراتية تضم آلاف النساء، ويشغلن مناصب قيادية رفيعة. وفي معرض آيدكس للدفاع الذي يُعقد في أبوظبي كل عامين، باتت المرأة العسكرية الإماراتية حضوراً لافتاً، تُشارك في العروض الميدانية والنقاشات المهنية على قدم المساواة مع نظرائها الرجال.
المملكة العربية السعودية: التحول الذي فاجأ الجميع
كانت المملكة العربية السعودية لوقت طويل تُمثّل الحالة الأكثر إثارة للجدل في ما يخص أدوار المرأة في المجال العسكري والأمني. وكانت القيود الاجتماعية والدينية تُلقي بظلالها الثقيلة على أي حديث عن تجنيد المرأة في القوات المسلحة. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية صدمت كثيرين ممن اعتادوا على الصورة التقليدية للمملكة.
في إطار رؤية 2030 التي تقودها قيادة المملكة، انفتحت أبواب الخدمة العسكرية والأمنية أمام المرأة السعودية بصورة لم يكن أحد يتصورها في العقد الأول من هذا القرن. ففي عام 2021، أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن قبول المرأة في صفوف القوات المسلحة، وذلك في عدة تخصصات. وسارعت الآلاف من السعوديات للتقديم على الوظائف العسكرية والأمنية المُعلنة، وكان الطلب أضعاف أضعاف المناصب المتاحة، مما يدل على الشغف الحقيقي لدى المرأة السعودية بالانخراط في هذا القطاع.
نورة القحطاني من أبرز الوجوه في هذه المرحلة التحولية؛ فقد كانت ضمن أوائل النساء السعوديات اللواتي التحقن بالأكاديميات العسكرية، وروت في مقابلات علنية تجربتها ومشاعرها حين ارتدت الزي العسكري للمرة الأولى: “شعرت أنني لم أكن أنتظر وظيفة، بل كنت أنتظر نفسي. ذلك الزي لم يكن قيداً، بل كان جناحاً.”
على الصعيد الأمني، انضمت آلاف النساء السعوديات إلى أجهزة الأمن المختلفة، وأصبحن يعملن في مطارات المملكة وحراسة بعض المنشآت والفعاليات الكبرى. كما وُجد نساء في القوات الخاصة لأمن الحرمين، مما يعكس ثقة رسمية كاملة في قدرة المرأة على تحمل هذه المسؤوليات الجسيمة.
تونس: نموذج الرائدة المتوسطية
في المقابل الشمالي الأفريقي، تمثّل تونس حالة استثنائية في محيطها العربي. فمنذ الاستقلال عام 1956، حرصت الدولة التونسية على منح المرأة حقوقاً واسعة، وكان الانخراط في الحياة العامة بما فيها المؤسسة العسكرية جزءاً من هذا النهج.
المرأة التونسية في الجيش والشرطة ليست ظاهرة حديثة، بل هي جزء من نسيج اجتماعي متشكّل منذ عقود. وتُشير الأرقام إلى أن النساء يُشكّلن نسبة لافتة من القوى البشرية في الأجهزة الأمنية التونسية، ويصلن إلى مناصب قيادية في الشرطة والجمارك والجيش الوطني.
العميدة هند بوعتور تُمثّل واحدة من أبرز القيادات النسائية في المؤسسة العسكرية التونسية. ارتقت عبر سنوات من الخدمة المتميزة لتصل إلى واحدة من أعلى الرتب التي بلغتها امرأة في تاريخ الجيش التونسي. تتحدث عن تجربتها بلغة الواثقة من نفسها ومن دورها: “الزي العسكري لا يعرف جنساً، يعرف الكفاءة والالتزام فقط. وهذا ما علّمنا إياه الجيش التونسي.”
ومع تصاعد التهديدات الإرهابية التي واجهتها تونس بعد ثورة 2011، أسهمت المرأة العسكرية في العمليات الأمنية بصورة أكثر مباشرة، واكتسبت خبرات ميدانية حقيقية في التصدي للتطرف وحماية الحدود.
المغرب ومصر والعراق: تنويعات على الموضوع ذاته
في المغرب، فتحت القوات الملكية المسلحة أبوابها أمام المرأة منذ سنوات، وأصبحت المرأة المغربية تعمل في تخصصات طبية وإدارية وفنية ضمن المؤسسة العسكرية. وفي الشرطة الملكية المغربية، باتت المرأة حاضرة في المطارات ومراكز الشرطة والمحاكم، وتُقدّم صورة عصرية ومتحضرة للمرأة المغربية المشاركة في حفظ النظام والأمن.
في مصر، التي تمتلك أكبر جيش في المنطقة العربية من حيث العدد، شاركت المرأة تاريخياً في الخدمات الطبية والإدارية العسكرية. وأسّست مصر الكلية الحربية النسائية عام 1984 لتأهيل الكوادر النسائية العسكرية. واليوم، تعمل المرأة المصرية العسكرية في مجالات متعددة، كما ترتفع أصوات تدعو إلى توسيع دورها ليشمل مزيداً من التخصصات.
في العراق، وفي خضم حرب ضروس خيضت ضد تنظيم داعش الإرهابي، برزت المرأة العراقية مقاتلة لا تهاب الموت. وكانت الكرادة وصنجار تشهدان بطولات نسائية لا تُنسى، حين انضمت إيزيديات ومسيحيات وعربيات جنباً إلى جنب في الحشد الشعبي وقوات البيشمركة لمحاربة التنظيم المتطرف الذي جعل من النساء بضاعة يُتاجر بها.
الشهيدة أم هنادي: فقدت في بداية الحرب على داعش زوجها وابنيها وأخاها، فبدلاً من الاستسلام للحزن، حملت السلاح وقادت وحدة من المقاتلين في الفلوجة والأنبار. أصبحت قصتها رمزاً لصمود المرأة العراقية في مواجهة الإرهاب، وتحوّل اسمها إلى أيقونة تُردّد في أروقة الأمن العراقي.
التحديات التي لا تزال تعصف بالمسيرة
رغم كل هذه الإنجازات المُبهجة، لا يُمكن إغفال التحديات الجسيمة التي لا تزال تقف في وجه المرأة العربية الراغبة في الانخراط في المؤسسة العسكرية.
أولاً: العوائق الثقافية والاجتماعية لا تزال كثير من المجتمعات العربية تنظر بعين الريبة إلى المرأة في الزي العسكري. فبعض العائلات ترى في هذا الخيار تهديداً لصورة المرأة التقليدية، أو تخوّفاً من اختلاطها بالرجال في بيئة عمل مشتركة. هذه المقاومة الاجتماعية لا تُقاس بالقانون ولكنها تُشكّل حاجزاً نفسياً يُصعّب على كثيرات اتخاذ قرار الانخراط العسكري.
ثانياً: التحديات المؤسسية داخل المؤسسات العسكرية ذاتها، تواجه المرأة أحياناً ما يُعرف بـ”الزجاج الصلب” – ذلك السقف غير المرئي الذي يحول دون وصولها إلى الرتب القيادية العليا. فكثير من الجيوش العربية تقبل المرأة في الوظائف الإدارية والطبية والفنية، لكنها لا تزال تتحفظ على وصولها إلى المواقع القيادية الميدانية أو على أعلى مراتب التراتبية العسكرية.
ثالثاً: الازدواجية التشريعية في بعض الدول العربية، تسمح القوانين للمرأة بالانضمام إلى الجيش، لكن أنظمة الأسرة والزواج والطلاق وحضانة الأطفال تُعقّد حياتها المهنية بصورة غير مباشرة. فالمرأة العسكرية التي تحتاج إلى إذن ولي الأمر للسفر أو التنقل تجد نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد.
رابعاً: التمييز في الرواتب والامتيازات في بعض الحالات، لا تحصل المرأة العسكرية على نفس المزايا المالية والإجازات التي يحصل عليها نظيرها الرجل، مما يُولّد شعوراً بعدم المساواة ويُثبّط حماسة البعض.
صوت الرائدات: شهادات من القلب
“حين ارتديت الزي العسكري للمرة الأولى، نظرت في المرآة ولم أرَ امرأة ولا رجلاً، رأيت ضابطة. ذاك الزي يُسوّي بين الجميع، ويجعل الكفاءة هي المعيار الوحيد.” – ضابطة في الجيش الأردني
“أمي بكت حين أخبرتها أنني قُبلت في الكلية الحربية. لم تكن تبكي خوفاً، بل كانت تبكي فخراً وعجباً في آنٍ معاً.” – طالبة في الكلية الحربية الإماراتية
“الناس يظنون أن العمل العسكري يسلب المرأة أنوثتها. لكن الحقيقة أنه يُضيف إليها بُعداً جديداً: بُعد القوة والثقة وإحساس بالمسؤولية.” – شرطية تونسية من مدينة سوسة
“أول مرة أعطيت أمراً وأطاعه رجل، أدركت أن التغيير الحقيقي قد حدث. لم تعد القضية قضيتي أنا، بل أصبحت قضية جيل.” – عقيدة في الجيش الملكي المغربي
الأثر الممتد: ما وراء الزي العسكري
إن أثر الرائدات العسكريات العربيات يتجاوز بكثير مجرد وجودهن في صفوف الجيش أو الشرطة. فهن يُحدثن أثراً متموّجاً يمتد إلى أعماق المجتمع بطرق متعددة.
النموذج الإلهامي: حين ترى فتاة صغيرة في الصحراء أو في الريف امرأة في الزي العسكري تُؤدي مهامها باحترافية وثقة، فإن شيئاً ما يتغير في عقلها وقلبها. تتسع دائرة الممكن، وتُولد أحلام جديدة لم تكن موجودة من قبل. هذه الوظيفة الرمزية للمرأة العسكرية ليست أقل أهمية من وظيفتها الميدانية.
التأثير على السياسات العامة: وجود المرأة في المؤسسة العسكرية يُغيّر التوازنات الداخلية ويدفع نحو تبني سياسات أكثر شمولاً وعدالة. فقرار تعيين المرأة في موقع قيادي غالباً ما يكون مقدمة لقرارات مجتمعية أوسع تتعلق بحقوق المرأة في المجالات المختلفة.
الكفاءة المؤسسية: أثبتت الدراسات المقارنة أن المؤسسات العسكرية والأمنية التي تضم النساء في صفوفها تتمتع بكفاءة أعلى في بعض المهام، لا سيما تلك المتعلقة بالتواصل مع المجتمعات المحلية، وإدارة الأزمات الإنسانية، وجمع المعلومات الاستخباراتية في السياقات الحساسة.
أفق المستقبل: إلى أين تتجه البوصلة؟
يُشير المنسوب المتصاعد لأعداد النساء في المؤسسات العسكرية العربية إلى أن هذه ظاهرة لا رجعة فيها. والسؤال الجوهري اليوم ليس “هل ستكون المرأة العسكرية موجودة؟” بل “ما الدور الذي ستلعبه في المستقبل؟”
ثمة مؤشرات واعدة:
- تُعلن دول خليجية عديدة عن خطط لرفع نسبة المرأة في الجيش والشرطة.
- تُخصَّص منح دراسية لإرسال الضابطات العسكريات العربيات لاستكمال تعليمهن العسكري في أكاديميات غربية مرموقة.
- تتزايد مشاركة المرأة العسكرية العربية في عمليات حفظ السلام الأممية.
- تبرز نقاشات جدية في بعض الدول حول فتح المجال القتالي المباشر أمام المرأة.
لكن إلى جانب هذه الإشارات الإيجابية، لا يزال الطريق طويلاً. فنسبة النساء في القيادات العسكرية العليا في الدول العربية لا تزال رمزية مقارنة بنظيراتهن في الدول الغربية. والبنية التحتية الداعمة للمرأة في البيئات العسكرية – من رعاية أطفال وإجازات أمومة وإقامة ملائمة – لا تزال تحتاج إلى تطوير كبير.
خاتمة: المسيرة مستمرة
في النهاية، لا يُمكن اختصار قصة المرأة في المؤسسة العسكرية العربية في مقالة واحدة، مهما طال نَفَسُها. إنها قصة لا تزال تُكتب، يوماً بيوم وقرار بقرار وزي بزي ورتبة برتبة.
ما نعرفه بيقين هو أن الرائدات اللواتي سلكن هذا الدرب الوعر أسدين للمجتمع جميله. فهن لم يُغيّرن مسار حياتهن فحسب، بل أسهمن في تغيير معادلة الأدوار الاجتماعية في مجتمعاتهن، وكسّرن حواجز الوهم التي طالما قيّدت طموحات النساء من بعدهن.
حين تقف لمياء في قمرة قيادة طائرتها، أو تُصدر سارة أمراً عسكرياً تنتظر تنفيذه، أو تكتب فاطمة تقريرها الاستخباراتي، أو تُؤدي نادية يمين الإخلاص للوطن بيدها المرفوعة، فإنهن لا يُؤدّين وظيفة فحسب، بل يُعدن تعريف ما يعنيه أن تكون عربية في القرن الحادي والعشرين.
المؤسسة العسكرية العربية، بكل تحفظاتها وتقاليدها وبروتوكولاتها الصارمة، تغيّرت إلى الأبد بدخول المرأة إليها. وهذا التغيير، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أن الوطن لا يكتمل دفاعه حين يتخلى عن نصف طاقته، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا حين يكون المجتمع بكل طوائفه وجنسيه شريكاً فاعلاً في صنعه.
المسيرة مستمرة. والرائدات يمشين.
اترك تعليقاً